بيروت


جنى سلُّوم

 

كلّنا فينا شيء من بيروت، ربّةُ عزمٍ لم يكسرها حُرمانُ،

كلّنا أشباه هذه البيوت، يعصف في دمارنا عصيانُ،

كلّنا بغدرِ قدرٍ نموت، أبِل موتِ ينجلي الإنسانُ؟ 

أبيروت تموت؟ أببراعم الضّحايا يزهِرُ نيسانُ؟

 

بهذه الكلمات ودّعت بيروت، أفعلًا ودّعناها؟ أرَحلَت بيروت؟

 

أضحى انفجارُ الرّابع من آب مشهدًا منحوتًا في الذّاكرة إلى الأبد، ذكرى انضمّت إلى أيّام الحدادِ المستلقيةِ على رزناماتِنا، نتفقّدُها من وقتٍ إلى آخر محطَّةَ انتقالنا من حالةِ الحلم إلى حالةِ الموت. الرّابعُ من آب، اليوم الذي حكَمنا فيه على قوافِل أحلامِنا بالسّجنِ المؤبَّدِ تحت وساداتِنا، وسِرنا جميعًا بمأتمٍ وطنيّ.

شيَّعنا ضحايا ديسَت براعمُ أعمارِهم، لم ندرِ حينها أنّنا كنّا نشيِّع أنفسَنا شهداءً أحياء.

بتُّ أكيدةً أنّنا شهداءٌ أحياء، أو بالأحرى ولدنا شهداء... مرّت سنواتٌ عدّةٌ تشهدُ عليها صفحاتُ الرّزناماتِ المتناوبةِ على عدِّ أيّامِ كفاحنا، وتشهد أيضًا، على مأتمِنا اليوميّ... في كلّ يوم، نزيدُ وسامًا، ونضيفُ على الأكاليلِ إكليلًا، جنّدنا أحلامَنا ورهنّا حياتَنا للنّضال من أجل "الغد الأفضل".

ها هو الزّمنُ يمرّ، ففي الحياةِ ما من شيءٍ يقطعُ مرورَ الزّمن. بُتنا في صراعٍ يوميٍّ مع وطنِنا، من سيُدفنُ أوَّلًا.

لا يزالُ صدى الإنفجارِ يعصفُ فينا حتّى اليوم، رَضخنا للأمرِ الواقِع بعدما ترك كلُّ واحدٍ منّا بعضًا منه في بيروت، عاودنا الحياةَ، اليوميّاتِ والعمل. عاودنا الحياةَ، لكنّها لم تُعاودْنا. وحدُه يرفضُ أن يتركَ الذّاكرةَ ذاك المشهد، نتخيّلُه في أيّ وقتٍ، في كلِّ مكان! نحتسي قهوتَنا ولا نعلمُ إذا سيُمزجُ البنُّ بالدّمِّ أو سننجو. نسيرُ في الطّرقاتِ ولا ندري إذا سنُدفَنُ أشلاءٌ أو، سننجو. لا ندري متى الوداع الأخير أو الضّحكة الأخيرة أو القبلة الأخيرة أو المكالمة الأخيرة أو يوم العمل الأخير...كلّ ما نعلمُه أنّنا ننجو يوميًّا، ونؤجّل اليوم الذي سنضحي فيه بدورِنا، ضحايا!

 

كلّي أسف وأنا أنحتُ بالكلامِ مشاعري بعد فاجعةِ الرّابع من آب الذي وُلدنا من بعدِه أيتامٌ يبحثون عن حياةٍ في أشلاء وطنٍ بالكاد! فينا غضبٌ، ثورةٌ، حزنٌ وأمل...أمل؟ نعم، لأنّه لا يبقى لفاقد الأمل، إلّا الأمل!

 

كلُّ مَن حَولي وضَّبَ أحلامَه في حقيبةٍ وسافرَ بها حيث الهدوء، السّلام، الكرامة والطّموح. أمّا أنا، فلم أشأ السّفر، في أعماقي صوتٌ يكبّلني هنا، يدعوني لأسقيَ حدائقَ وطني بدموعي فتزهر، لأضيءَ منارتَه بأفكاري، لأرمّمَ جدرانَه بأحلامي، لأبقى هُنا، لأنَّ بيروت لم تمُت، ستعود.

 

إنقسمت سطوري إلى مسارَين متعارضَين وأنا أكتبُ هذا النّص، تمامًا كما نعيشُ منذ يومِ الإنفجار. نتنفّس انقسامًا فكريًّا وتشرذمًا عاطفيًّا وصراعًا نفسيًّا. جميعُنا أمام خيارين، إمّا أن نبقى ونرتُقَ بعزيمتِنا وإصرارِنا تشقّقاتِ الجدران، إمّا أن يسيرَ كلُّ واحدٍ منّا في طريقه، ونزور بيروت المهدّمة من فترةٍ إلى أخرى. 

بيروت، يا ثكلى لبنان، يا قلبًا يبحثُ عن نبض، يا تاريخًا أسيرَ ساعةٍ رمليَّة، يا ثورةً صامتةً في خضمّ الفوضى، يا سُبحةَ نكباتٍ، نامي وارتاحي، وقومي حينما تشائين…

 

آب 2021